العيني
265
عمدة القاري
051 ( ( بابٌ * ( فإمَّا مَناً بَعْدُ وإمَّا فِداءً ) * ( محمد : 04 ) . ) ) أي : هذا باب يذكر فيه التخيير بين المن والفداء في الأسرى . لقوله تعالى : * ( فإما مناً بعد وإما فداء ) * وأول هذا قوله تعالى : * ( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما مناً بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ) * ( محمد : 04 ) . قوله : * ( فإذا لقيتم ) * من اللقاء وهو الحرب . قوله : * ( فضرب الرقاب ) * ( محمد : 04 ) . أصله : فاضربوا الرقاب ضرباً ، فحذف الفعل وقدم المصدر فأنيب مناب الفعل مضافاً إلى المفعول ، وفيه اختصار مع إعطاء معنى التوكيد ، وضرب : عبارة عن القتل ، لأن الواجب أن تضرب الرقاب خاصة دون غيرها من الأعضاء مع أن في هذه العبارة من الغلظة والشدة ما ليس في لفظ القتل ، ولقد زاد في هذه الغلظة في قوله : فاضربوا فوق الأعناق . قوله : * ( حتى إذا أثخنتموهم ) * ( محمد : 04 ) . أي : أكثرتم قتلهم وأغلظتموه ، من الشيء الثخين وهو الغليظ وقيل : أثقلتموهم بالقتل والجراح حتى أذهبتم عنهم النهوض ، وقيل : قهرتموهم وغلبتموهم . قوله : * ( فشدوا الوثاق ) * ( محمد : 04 ) . وهو بفتح الواو : اسم ما يوثق به . قوله : * ( فإما مناً ) * منصوب بتقدير : فإما تمنون مناً ، وكذلك : وإما تفدون فداءً ، والمعنى : التخيير بعد الأسر بين أن يمنوا عليهم فيطلقوهم وبين أن يفادوهم ، وقال الضحاك : قوله تعالى : * ( فإما مناً بعد وإما فداء ) * ( محمد : 04 ) . ناسخة لقوله تعالى : * ( اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) * ( التوبة : 5 ) . ويروى مثله عن ابن عمر ، قال : أليس الله بهذا أمرنا ، قال : * ( حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما مناً بعد وإما فداء ) * ( محمد : 04 ) . وهو قول عطاء والشعبي والحسن البصري ، كرهوا قتل الأسير ، وقالوا : يمن عليه أويفادوه ، وبمثل هذا استدل الطحاوي ، فقال : ظاهر الآية يقتضي المن أو الفداء ويمنع القتل . فِيهِ حدِيثُ ثَمامَةَ أي : في هذا الباب حديث ثمامة ، بضم الثاء المثلثة : ابن أثال ، بضم الهمزة وبالثاء المثلثة المخففة ، وقد مر حديثه في كتاب الصلاة في : باب دخول المشرك المسجد ، ومر أيضاً في : باب الملازمة والإشخاص في موضعين . أحدهما في : باب التوثق ممن يخشى معرته ، والآخر في : باب الربط والحبس في الحرم ، وسيأتي أيضاً مطولاً في أواخر كتاب المغازي في : باب وفد بني حنيفة ، وحديث ثمامة ابن أثال ، وحاصله أنه صلى الله عليه وسلم : بعث خيلاً قِبَلَ نَجدٍ فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال ، فربطوه بسارية من سواري المسجد ، ثم أطلقه ، والله أعلم . وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ * ( ما كانَ لِنَبِيِّ أنْ تَكُونَ لَهُ أسْرَى ) * ( الأنفال : 76 ) . وتمام الآية : * ( حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم ) * ( الأنفال : 76 ) . وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه والحاكم في ( مستدركه ) من حديث عبيد الله بن موسى : حدثنا إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن ابن عمر : أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم قال لم أسر الأسارى يوم بدر : أسر العباس فيمن أسر ، أسره رجل من الأنصار ، قال : وقد أوعدته الأنصار إن يقتلوه ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلموفيه : إني لم أنم الليلة من أجل عمي العباس ، وقد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه ، فقال عمر ، رضي الله تعالى عنه : فآتهم . قال : نعم ، فأتى عمر الأنصار ، فقال لهم : أرسلوا العباس ، فقالوا : لا والله لا نرسله ، فقال لهم عمر : فإن كان لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم رضاً ؟ قالوا : فإن كان لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم رضاً فخذه ، فأخذه عمر ، رضي الله تعالى عنه ، فلما صار في يده قال له : يا عباس ! أسلم فوالله لئن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب ، وما ذاك إلاَّ لما رأيت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم يعجبه إسلامك . قال : فاستشار رسول الله ، صلى الله عليه وسلم أبا بكر ، رضي الله تعالى عنه ، فقال أبو بكر : عشيرتك فأرسلهم ، فاستشار عمر ، رضي الله تعالى عنه ، فقال : ففاداهم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله عز وجل : * ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ) * ( الأنفال : 76 ) . الآية . وقال الحاكم : صحيح الإسناد ولم يخرجاه . واختلف العلماء في هذا الباب . منهم من قال : لا يحل قتل أسير صبراً ، وإنما يمن عليه أو يفدى ، وقالوا : إن قوله تعالى : * ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ) * ( التوبة : 5 ) . منسوخ بقوله : * ( فإما منَّاً وإما فداء ) * ( محمد : 4 ) . وهو قول جماعة من التابعين ، وقد ذكرناهم عن قريب . ومنهم من قال : لا يجوز في الأسرى من المشركين إلا القتل ، وجعلوا قوله عز وجل : * ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) * ( التوبة : 5 ) . ناسخاً لقوله : * ( فإما منّاً بعد